علم المواد، ثورة الصناعة وصناعة الحرب

يتناول الكاتب عبد الكريم العوير في مقالته هذه علم المواد وأهميته في تطوير مواد جديدة قد تخدم البشرية ولكنها في الوقت ذاته قد يجري تطويرها لأغراض عسكرية خاصة تقنية السليلوز النانوي، أبرز الاكتشافات الحديثة في علم المواد.

خلية شمسية مرنة تم ابتكارها في كوريا الجنوبية باستخدام مزيج من تقنيات النانو والنسيج (الأوروبية-أرشيف)

عبد الكريم العوير

يعتبر علم المواد من العلوم التي تشهد اهتماماَ متزايداَ هذه الأيام، إذ يعدنا العلماء بتغيرات جذرية لنظرتنا للمواد واكتشافات ستشكل ثورة كبيرة في عالم الصناعة.

وعلم المواد هو العلم الذي يبحث خصائص المادة، وتطبيقاتها للعلوم والهندسة، أما تاريخ علم المواد فهو قديم بالغ القدم، حيث كتب فيه العديد من العلماء العرب في السابق. ولعل أشهر كتاب عربي في هذا المجال هو "الجاهر في معرفة الجواهر" لابن سينا. لكن التطور الذي طرأ على هذا العلم مؤخرا أكسبه أهمية بالغة، فالتعامل مع المواد لم يعد بالنظرة القديمة التقليدية.

ففي عام ١٩٧٠ استطاع فريق من العلماء استبدال مادة أخرى هي الكيفلار بالفولاذ في سيارات السباق وتستطيع هذه المادة أن تتحمل قوة أكثر مما يتحمله الفولاذ. وسرعان ما اشتهرت هذه المادة وتحولت إلى مادة لتصنيع الدروع، ودخلت في تصنيع محركات السيارات وذلك لخفة وزنها وقوة تحملها.

إلا أن هندسة المواد لم تتوقف عند هذا الحد، حيث باتت هناك مراكز أبحاث متخصصة تبحث في خصائص المادة معتمدة على التقدم الهائل في أجهزة المجهر القادرة على فحص المواد بصورة أفضل.

تقنية النانو
تعتبر تقنية النانو أدق ما وصل إليه العلم من تقنية حتى الآن. إذ إن هذه التقنية أو ما يسمى بـ(تقنية الصغائر) تعتمد على دراسة المقياس الذري أو الجزيئي للمادة، وتشكل وحدة القياس فيها نانومتر وهي واحد على مليون من المليمتر.

وتهدف دراسة النانو إلى تعزيز عمل الجزيئات وتراكيبها، لإنتاج تطبيق علمي يتولى إنتاج الأشياء عبر تجميعها على المستوى الصغير من مكوناتها الأساسية، مثل الذرة والجزيئات.

وما دامت كل المواد المكونة من ذرات متراصة وفق تركيب معين، فإننا نستطيع أن نستبدل ذرة عنصر ونضع بدلا عنها ذرة عنصر آخر، وهكذا نستطيع صنع شيء جديد ومن أي شيء تقريبا. إلا أننا في بعض الأحيان تفاجئنا تلك المواد بخصائص جديدة لم نكن نعرفها من قبل، مما يفتح مجالات جديدة لاستخدامها وتسخيرها لفائدة الإنسان، كما حدث قبل ذلك باكتشاف الترانزيستور.

ولا تقف الدراسات عند الحد النظري فيزعم العلماء أنه بات من الممكن أن يكون في جسم كل إنسان منا معمل بيولوجي متكامل، يقوم بإجراء فحوصات دورية لضغط الدم والسكري وغيرها من التحاليل الدورية اللازمة، كما وأن أجهزة أخرى معينة من الممكن أن تحقن في جسم الإنسان فتتمكن من إجراء عمليات جراحية كاملة دون الحاجة إلى شق الجلد أو اللجوء إلى العمليات التقليدية.

وعلى صعيد الألبسة، فتجري الدراسات على أقمشة وملابس قادرة على تبريد الجسم والسماح للعرق بالخروج منه، لكنها في الوقت عينه مانعة لماء المطر مثلا من اختراقها. وملابس أكثر حيوية تقوم بتنظيف نفسها بنفسها. كما يشير إلى ذلك الباحث السعودي سعيد سامي حبيب من جامعة الملك عبد العزيز. 

السيللوز النانوي
لكن الثورة الحقيقية تكمن في السيللوز النانوي، المادة الأكثر مرونة والقابلة لإنتاج مواد أكثر مرونة أيضا، حيث سيكون بمقدور العلماء أن يقدموا لنا في القريب العاجل شاشات قابلة للطي بالكامل، اعتمادا على أن السيللوز خفيف وشفاف ومن الممكن أن يحل محل الزجاج والبلاستك في شاشات العرض وهو في ذات الوقت مرن للغاية، لكن الشركة الأكثر حماسة لهذا الغرض -شركة سامسونغ دسبلاي الكورية الجنوبية- تقول إنها تعرضت لعدة عقبات ستؤخر عملية إطلاق هواتف تحمل شاشات بهذه الصفة.

صحيح أن الكيفلار الذي تحدثنا عنه في بداية المقال يعتبر مادة قوية قادرة على صد الرصاص ومستخدم بقوة في الدروع الواقية منه، إلا أن السيللوز النانوي سيكون مثاليا أكثر، حيث يستطيع بسبب مرونته أن يشكل ليس درعا واقيا يلبس على الصدر فقط، بل بدلة كاملة تغطي الجسد كله، ومرنة في الوقت نفسه فلا تمنع مرتديها من أداء الحركات المطلوبة منه، وهو ما يعني أن يستفاد منه في الجانب العسكري بشكل كبير.

وبما أننا نتحدث عن الجانب العسكري لهذه التكنولوجيا، فتكفي الإشارة إلى دراسات غير رسمية تؤكد أن الجيش الإسرائيلي هو الأكثر -بين جيوش العالم- استعمالا لتقنية النانو، لكن هذه التقنية لم تمكنه من الكشف عن الأنفاق الفلسطينية التي تحفر من غزة كما كان يأمل. 

فهل نحن على أعتاب ثورة صناعية جديدة تخدم الإنسان، أم إنها ثورة تعسكر الصناعة فتخدم الحرب؟

___________________
* صحفي في مجال العلوم والتكنولوجيا